Monday, 6 June 2016

رمضان .. أرقى وأعمق

عزيزي الصائم
في حال كنت تنوي مغادرة منزلك خلال نهار الصيام فتوقع أن ترى الآتي:
  • شاب في السادسة عشر يشرب العصير البارد علناً في الشارع وهو يتسكع مع رفاقه
  • موظف في دائرة حكومية حوله فناجين القهوة وأكواب الشاي حاضرة بوقاحة، وعندما تقدم له أوراقك ليسييرها يرغي ويزبد والحجة طبعاً الصيام في الحر والمعاناة وضغط العمل ... إلخ  
  • المقاهي والمطاعم ومحلات البوظة والعصائر لا تغلق طيلة النهار دون أدنى مراعاة لحرمة الشهر الفضيل بالرغم من أن أصحابها مسلمين

وأياً كان من ستلتقيه خلال نهارك فإن أول شيء سيقوله لك بعد السلام: " والله ما بقدر صوم بيوجعني راسي/ معدتي /ضهري ... أو بدوخ /بينزل ضغطي/بيطلع ضغطي ... إلخ " 

عندما تتعرض لهذا الموقف أول مرة ستقول في قرارة نفسك: "أنا شو دخلني ليش عم يقلي هالحكي! أنا ما سألتو إذا صايم وما جبت سيرة الصيام أساساً؟؟!!"

ولكن مع تكرار هذا الموقف المستفز لأكثر من عشر مرات في اليوم ستقولها علناً أمامه: "ما سألتك حتى تبررلي .. برر لربك أنا ما دخلني .. الله بحاسب الجميع"، وأبشرك بأنك ستصادف مواقف أخرى كثير على هذه الشاكلة وستقول في نفسك كما الكثيرون: "أين رمضان ؟!"

بالنسبة لي فإني لا أقتنع أبداً ولا أريد أن أقنع نفسي بالأسلوب السائد المتبع لدى البعض خلال رمضان وهو جعل كل النهار للنوم بحجة تخفيف التعب والعطش.
لا أقتنع أبداً ولا أريد أن أقنع نفسي بالأسلوب السائد الآخر والمتبع أيضاً من قبل البعض وهو البقاء طول النهار في البيت حتى نقي أنفسنا من كل المظاهر المستفزة أو الحر في الخارج، أو كتفسير خاطئ منا للحدديث الشريف: "طوبى للغرباء" كيف ستكون غريباً وأنت في بيتك؟! .. إذاً لا طوبى لك
رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته كانوا غرباء بدينهم لكنهم لم يلزموا بيوتهم!

ما أؤمن به وأقتنع بصحته تمام القناعة أن رمضان لم يجعل للنوم ولا للكسل، لم يجعل للسهرات والعزائم، وتفسيرنا الخاطئ الآخر للحديث الشريف: "من أفطر صائماً كان له مثل أجره" لا يعني أن تقضي النساء النهار كله على مدى شهر كامل في إعداد الموائد الطويلة لإرضاء الضيوف في شهرٍ الأولى فيه ليس فقط العبادة بل العمل أيضاً.
إكرام الضيف واجب ونقولها كثيراً: "الضيف ضيف الله"، ولعل من أحلى ما في رمضان اجتماع العائلات على مائدة إفطار واحدة، لكن التوازن مطلوب في كل شيء وفي كل الظروف، أفطري الصائمين عزيزتي لكن لا تجعليه ثوابك الوحيد خلال هذا الشهر.
في رمضان هناك الكثير لنفعله، الكثير لنكسبه، الكثير لنخطط له، الكثير لنعمل لأجله، والكثير الكثير لندعو الله به، ومن قال أن رمضان شهر نعتزل فيه الحياة مخطئ، والأولى أن يكون شهراً لتصويب وجهتنا وإعادة ضبط بوصلتنا لبقية العام.

عزيزي الصائم
في حال كنت لا زلت تنوي مغادرة منزلك خلال نهار الصيام سترى كثيراً من المظاهر المستفزة صدقني، لكن وقبل أن تسأل غيرك بعصبية: أين هي أخلاق رمضان؟ أرجوك أن تبدأ بنفسك وتسألها: "هل أنا صائم أولاً؟" أو "هل أنا صائم فعلاً؟"
وقبل أن تتبع أخطاء غيرك ابدأ بنفسك وقل لها: "سأكون صائماً فعلاً.. سأكون صائماً فعلاً"

1/5/2016 

Wednesday, 3 February 2016

أمــــــيــــــــــرة

لا أدري بالتحديد متى بدأت أعي وجود النبات حولي!

كانت عمة أبي تسكن داراً عربية، ولذلك فإن وجود الشجر وأحواض الورد بديهي جداً.
عندما أحاول الآن استعادة ذكريات من تلك الدار البعيدة لا تسعفني ذاكرتي بالكثير لأنها كانت قد انتقلت منها قبل بلوغي الرابعة.

لم يبق من تلك الدار لدي سوى صورة التقطها لي أبي بدون انتباهي وأنا بين الأحواض بجوار أميرة التي رافقت عمة أبي لدارها الجديدة مع الفل والقرنفل البلدي الأحمر.

لم أكن أفهم وقتها لم لا ينبت الشجر في الأحواض طالما التراب موجود؟ ولِمَ لم تنقل الشجر كما نقلت باقي الورود؟

أقنعت نفسي وقتها بأن الزراعة في الحوض ليست المشكلة، ولكن الشجرة ستكبر وتطال السقف وتخترقه، فإن لم يكن المنزل في الطابق الأخير سنتسبب بمشاكل مع الجيران.
لذلك ومن وقتها والطوابق الأخيرة هي المفضلة عندي ولا أدري لِمَ اقترنت في خيالي حينها صورة الطابق الأخير مع الشرفات غير المسقوفة؟!

بعد فترة عندما قالت لي أمي بأننا سننتقل لبيت جديد سألتها: "بأي طابق؟ في بلكون؟"
اعتقدت -وكنت في الخامسة- أن حلمي قد تحقق. لكن، شرفاته المسقوفة لم تكمل الصورة التي في خيالي لأشجار تنبت ضمن البيوت كما كان في دار عمة أبي القديمة.

لا زلت أذكر شتلات الحبق التي كانت تزرعها لي عمة أبي في الربيع لأضعها على شباك مطبخ بيتي، وكان يطالها اليباس في أواخر الصيف كل مرة، وكنت أبكي كل مرة. 
لم تكن عمة أبي تجيبني عندما أسألها عن سبب ما حصل رغم أني أسقيها وأتبع ما تقوله لي عن الإضاءة، ولم تكن تغضب مني أبداً برغم أني أعرف -كما الجميع- بأن أصايصها من أغلى الأشياء على قلبها.

خاب أملي قليلاً لكن لا بأس، وبعد محاولات عديدة فاشلة مع الحبق جربت أنواع أخرى، وزرعتها فعلاً، أحياناً أفشل وأحياناً أنجح، وصار لدي حديقة صغيرة تملأ روحي وشرفتي.

بعد وفاة عمة أبي كانت قد أوصت أن نزرع على قبرها العطرة التي في بيتها. فعلنا وما زالت إلى الآن موجودة، تميز قبرها عن كل ما جاوره.

ذبلت ورودها في المنزل بعد وفاتها، يبست ثم ماتت برغم وجود من يرعاها، وورود خالتي قبلها أيضاً قد حصل لها الشيء نفسه.

أدركت عندها سر ذلك ...

النبات ليس بلا إحساس كما ندعي، بل يشعر بمن يعتني به ويحنو عليه.

لا تسقه الماء كأنك تؤدي مهمة وانتهى الأمر، وتعتقد أنك فعلت كل ما بوسعك.
عامله بحنان، تكلم معه إن شئت أو اجلس على شرفتك ليشعر بك، صدقني إنه يشعر، وإذا تغير عليه من يسقيه سيذبل...
اسقه حنانك، شاركه روحك وسترى الفرق بنفسك.

و إلى الآن.. ما زال القرنفل البلدي الأحمر ينقص شرفتي، ويبدو لي أني لن أجد أميرة إلا عند عمة أبي وأننا حتى لو غادرنا البيوت فإنها تأبى أن تغادرنا.

جبلة 1/2/2015