لا أدري بالتحديد
متى بدأت أعي وجود النبات حولي!
كانت عمة أبي تسكن داراً عربية، ولذلك فإن وجود الشجر وأحواض الورد بديهي جداً.
عندما أحاول الآن استعادة ذكريات من تلك الدار البعيدة لا
تسعفني ذاكرتي بالكثير لأنها كانت قد انتقلت منها قبل بلوغي الرابعة.
لم يبق من تلك الدار لدي سوى صورة التقطها لي أبي بدون انتباهي
وأنا بين الأحواض بجوار أميرة التي رافقت عمة أبي لدارها الجديدة مع الفل والقرنفل
البلدي الأحمر.
لم أكن أفهم وقتها لم لا ينبت الشجر في الأحواض طالما التراب
موجود؟ ولِمَ لم تنقل الشجر كما نقلت باقي الورود؟
أقنعت نفسي وقتها بأن الزراعة في الحوض ليست المشكلة، ولكن الشجرة ستكبر وتطال السقف وتخترقه، فإن لم يكن المنزل في الطابق الأخير سنتسبب بمشاكل مع الجيران.
لذلك ومن وقتها والطوابق الأخيرة هي المفضلة عندي ولا أدري
لِمَ اقترنت في خيالي حينها صورة الطابق الأخير مع الشرفات غير المسقوفة؟!
بعد فترة عندما قالت لي أمي بأننا سننتقل لبيت جديد سألتها:
"بأي طابق؟ في بلكون؟"
اعتقدت -وكنت في الخامسة- أن حلمي قد تحقق. لكن، شرفاته
المسقوفة لم تكمل الصورة التي في خيالي لأشجار تنبت ضمن البيوت كما كان في دار عمة
أبي القديمة.
لا زلت أذكر شتلات الحبق التي كانت تزرعها لي عمة أبي
في الربيع لأضعها على شباك مطبخ بيتي، وكان يطالها اليباس في أواخر الصيف كل مرة، وكنت أبكي كل مرة.
لم تكن عمة أبي تجيبني عندما أسألها عن سبب ما حصل رغم أني أسقيها وأتبع ما تقوله لي عن الإضاءة، ولم تكن تغضب مني أبداً برغم أني أعرف -كما الجميع- بأن أصايصها من أغلى الأشياء على قلبها.
لم تكن عمة أبي تجيبني عندما أسألها عن سبب ما حصل رغم أني أسقيها وأتبع ما تقوله لي عن الإضاءة، ولم تكن تغضب مني أبداً برغم أني أعرف -كما الجميع- بأن أصايصها من أغلى الأشياء على قلبها.
خاب أملي قليلاً لكن لا بأس، وبعد محاولات عديدة فاشلة
مع الحبق جربت أنواع أخرى، وزرعتها فعلاً، أحياناً أفشل وأحياناً أنجح، وصار لدي حديقة صغيرة تملأ روحي وشرفتي.
بعد وفاة عمة أبي كانت قد أوصت أن نزرع على قبرها العطرة
التي في بيتها. فعلنا وما زالت إلى الآن موجودة، تميز قبرها عن كل ما جاوره.
ذبلت ورودها في المنزل بعد وفاتها، يبست ثم ماتت برغم وجود
من يرعاها، وورود خالتي قبلها أيضاً قد حصل لها الشيء نفسه.
أدركت عندها سر ذلك ...
النبات ليس بلا إحساس كما ندعي، بل يشعر بمن يعتني به ويحنو
عليه.
لا تسقه الماء كأنك تؤدي مهمة وانتهى الأمر، وتعتقد أنك فعلت كل ما بوسعك.
عامله بحنان، تكلم معه إن شئت أو اجلس على شرفتك ليشعر بك،
صدقني إنه يشعر، وإذا تغير عليه من يسقيه سيذبل...
اسقه حنانك، شاركه روحك وسترى الفرق بنفسك.
و إلى الآن.. ما زال القرنفل البلدي الأحمر ينقص شرفتي، ويبدو لي أني لن أجد أميرة
إلا عند عمة أبي وأننا حتى لو غادرنا البيوت فإنها تأبى أن تغادرنا.
جبلة 1/2/2015
No comments:
Post a Comment